الاقتصاد الدولي
08.06.2026
استمر الصراع في الشرق الأوسط لفترة أطول من التوقعات الأولية، مع تسبب إغلاق مضيق هرمز في رفع معدلات التضخم والضغط على النمو الاقتصادي عالميًا. كما ارتفعت الضغوط على سلاسل التوريد إلى أعلى مستوياتها منذ موجة الارتفاع التي أعقبت الجائحة، فيما سجلت أسعار الغذاء العالمية أعلى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات. وتشير أحدث استطلاعات مؤشر مديري المشتريات العالمية إلى وجود ضغوط سعرية كبيرة في الطريق، في ظل الارتفاع الكبير لعوائد السندات الحكومية منذ اندلاع الصراع العسكري في نهاية فبراير، مدفوعًا ليس فقط بتفاقم توقعات التضخم، بل أيضًا بالضغوط المالية. وعلى الرغم من أن السحب من المخزونات النفطية العالمية ساهم في الحد من ارتفاع أسعار النفط، فإن هذه المخزونات تقترب من مستويات حرجة، مما يزيد من مخاطر ارتفاع أسعار النفط بشكل أكبر في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز. ومن الواضح أن صدمة ارتفاع أسعار الطاقة من جانب العرض قد زادت من تعقيد السياسة النقدية لدى جميع البنوك المركزية. فالتوجه نحو التيسير النقدي الذي كان سائدًا قبل الحرب تحول إلى توجه نحو رفع أسعار الفائدة. كما يواجه الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، الذي تولى المنصب بتفويض لخفض الفائدة، وضعًا بالغ الصعوبة، في حين يستعد كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان لرفع أسعار الفائدة قريبًا، وكذلك بنك إنجلترا خلال النصف الثاني من العام.
الولايات المتحدة: تفاقم التضخم وتحسن سوق العمل يعقّدان خطط التيسير النقدي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد وارش
لا يزال الاقتصاد الأمريكي يتمتع بالمرونة، حيث استوعب صدمات النزاع التجاري المرتبط بالرسوم الجمركية العام الماضي والارتفاع الحالي في أسعار الطاقة، مدعومًا بقوة الإنفاق الاستهلاكي واستمرار طفرة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما شهد سوق العمل تحسنًا، مع متوسط نمو للوظائف بلغ 114 ألف وظيفة شهريًا منذ بداية العام وحتى مايو، مقارنة بمتوسط شهري بلغ 10 آلاف وظيفة فقط في عام 2025، إلى جانب معدل بطالة يبلغ 4.3% وهو قريب من مستويات التوظيف الكامل. وعلى الرغم من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول بنسبة 1.6% (النمو السنوي المكافئ) وبأقل من التوقعات، فإن النمو الأساسي كان أكثر قوة، إذ ارتفع مؤشر "المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص" بنسبة 2.4%. ويستمر الزخم القوي مع ارتفاع مبيعات التجزئة بنسبة 0.5% على أساس شهري في أبريل، فيما تُظهر مؤشرات أخرى مرتفعة التكرار استمرار النمو القوي في مايو، بدعم من ارتفاع استردادات الضرائب والتأثير الإيجابي لارتفاع أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية مدفوعة بقوة أرباح الشركات. وتشير التقديرات التوافقية إلى استمرار النمو القوي في الربع الثاني، إذ يبلغ تقدير نموذج GDPNow التابع للاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا نحو 3.0%.
وفي المقابل، ارتفع التضخم الذي كان يشكل تحديًا حتى قبل صدمة الطاقة الحالية. فقد سجل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي 3.3% على أساس سنوي في أبريل، وهو الأعلى منذ أواخر عام 2023 (وهو مستوى لم يُسجل منذ عام 1992 باستثناء فترة الارتفاع التي أعقبت الجائحة بين 2021 و2023)، كما بلغ التضخم الرئيسي 3.8% وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات. ومن المتوقع أن يبقى التضخم أعلى بكثير من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% خلال عام 2026 وللعام السادس على التوالي. ويجعل هذا المزيج من ارتفاع التضخم وتحسن سوق العمل مهمة الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش اكثر صعوبة، لا سيما أنه جاء بتوجه واضح نحو خفض أسعار الفائدة، وهو توجه لا يشاركه فيه معظم أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. وقد يشكل قرار الإبقاء على توجه التيسير النقدي أو إزالته من بيان السياسة النقدية خلال اجتماع يونيو المقبل أول اختبار حقيقي لوارش في قيادة الاحتياطي الفيدرالي. وتشير أسواق العقود الآجلة حاليًا إلى احتمال بنحو 75% لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية عام 2026.
منطقة اليورو: تسارع التضخم مع استعداد البنك المركزي الأوروبي لرفع الفائدة هذا الأسبوع لأول مرة منذ عام 2023
يتشكل المشهد الاقتصادي في منطقة اليورو تحت تأثير ارتفاع التضخم المدفوع بأسعار الطاقة واستجابة السياسات لذلك. فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2% على أساس ربعي، مدفوعًا بانكماش حاد في الاقتصاد الإيرلندي المتقلب بنسبة 12%، بينما سجل النمو - باستثناء إيرلندا - أداءً إيجابيًا طفيفًا بعد تسجيله ارتفاعاً بنسبة 0.2% في الربع الرابع من عام 2025. ويتمثل التحول الرئيسي في التضخم، إذ تسارع مؤشر أسعار المستهلك إلى 3.2% على أساس سنوي في مايو مقارنة مع 1.9% في فبراير، مدفوعًا بشكل رئيسي بارتفاع تكاليف الطاقة. ومن المتوقع أن يواصل البنك المركزي الاوروبي رفع توقعاته الأساسية للتضخم من الذروة الحالية البالغة 3.2% في الربع الثاني، في ظل استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز. وفي هذا السياق، ونظرًا لأن الهدف الأساسي للبنك المركزي الأوروبي يتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار، فمن شبه المؤكد أن يرفع البنك أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماعه المرتقب هذا الأسبوع، مع الحفاظ على نهج مرن في الاجتماعات المقبلة بحسب تطورات التضخم. وبشكل عام، تواجه منطقة اليورو مزيجًا صعبًا على المدى القريب يتمثل في ضعف النمو وعودة الضغوط التضخمية وتشديد الأوضاع المالية. أما في ما يتعلق باتفاق التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي الذي تأخر اعتماده لفترة طويلة، فيبدو أنه يقترب أخيرًا من مراحله النهائية، مع توقع تصديق الاتحاد الاوروبي عليه قبل الموعد النهائي الذي حدده ترامب في الرابع من يوليو.
المملكة المتحدة: الزخم الاقتصادي قبل الحرب يتراجع مع هبوط نشاط الأعمال وتوقعات برفع بنك إنجلترا للفائدة في 2026
نما الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.6% على أساس ربعي في الربع الأول مقارنة مع 0.2% في الربع الرابع من عام 2025، إلا أن الزخم الذي سبق اندلاع الحرب في الشرق الاوسط بدأ يتلاشى، إذ سجل مؤشر مديري المشتريات المركب في مايو مستوى 49.7 وهو الأدنى خلال 13 شهرًا. كما تراجعت مبيعات التجزئة بنسبة 1.3% على أساس شهري في أبريل، وهو أكبر انخفاض منذ مايو 2025. ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد البريطاني بنسبة 1% فقط في عام 2026 مقارنة مع 1.4% في 2025. ولا يزال سوق العمل ضعيفًا، مع فقدان تراكمي بلغ 144 ألف وظيفة منذ فبراير واستمرار معدل البطالة عند مستوى مرتفع نسبيًا يبلغ 5%. كما أن وصول عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل إلى مستويات قريبة من أعلى مستوياتها منذ عقود يحد من قدرة السياسة المالية على تقديم الدعم. وفي الوقت نفسه، أصبح موقف رئيس الوزراء كير ستارمر أكثر هشاشة بعد الأداء الضعيف لحزب العمال في انتخابات المجالس المحلية، مما أثر سلبًا على ثقة قطاع الأعمال. ورغم تراجع التضخم إلى 2.8% على أساس سنوي في أبريل من 3.3% في مارس نتيجة تجميد بعض الأسعار الحكومية وعوامل مؤقتة أخرى، فمن المرجح أن يعاود الارتفاع مع تلاشي هذه العوامل واستمرار ارتفاع أسعار الطاقة، بينما يتوقع بنك إنجلترا وصول التضخم إلى 3.5% بحلول سبتمبر. وتشير تسعيرات السوق الحالية إلى احتمال قيام بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة مرة أو مرتين بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية 2026، بعدما كانت التوقعات تشير سابقًا إلى خفض الفائدة قبل الحرب.
اليابان: توقعات برفع بنك اليابان للفائدة في يونيو أو يوليو مع بلوغ عوائد السندات طويلة الأجل أعلى مستوياتها منذ عقود
فاق النمو الاقتصادي في اليابان التوقعات خلال الربع الأول مسجلاً 0.5% على أساس ربعي، مدعومًا بنمو قوي للصادرات بنسبة 10% على أساس سنوي. واستمرت الديناميكيات التجارية الإيجابية في أبريل مع ارتفاع الصادرات بنسبة 15%، وكذلك الواردات رغم التراجع الحاد في الشحنات القادمة من الشرق الأوسط بسبب الأوضاع في مضيق هرمز. وتعتمد اليابان بشكل كبير على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، حيث يأتي نحو 90% من وارداتها النفطية من المنطقة. وخفّض بنك اليابان في اجتماعه خلال أبريل توقعاته لنمو الاقتصاد للسنة المالية 2026 المنتهية في مارس 2027 إلى 0.5% من 1%، كما رفع توقعاته للتضخم الأساسي إلى 2.8% من 1.9%. وأدت التوقعات بارتفاع التضخم إلى زيادة احتمالات رفع أسعار الفائدة، مع تسعير السوق حاليًا لرفع بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع يونيو أو يوليو. وفي حين ارتفع تضخم أسعار المنتجين إلى 4.9% على أساس سنوي في أبريل (مقارنة بـ 2.1% في فبراير)، وهو الأعلى في ثلاث سنوات، ظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلك عند مستوى معتدل بلغ 1.4% بفضل الدعم الحكومي. كما كشفت الحكومة عن ميزانية إضافية بقيمة 3.1 تريليون ين ( 19.4 مليار دولار أمريكي) لتمويل دعم الأسر، الأمر الذي زاد الضغوط على السندات الحكومية اليابانية ورفع العوائد طويلة الأجل إلى مستويات هي الأعلى منذ عقود. وعلى الرغم من تدخلات السلطات اليابانية، لا يزال الين يتعرض لضغوط نتيجة انخفاض أسعار الفائدة مقارنة بالاقتصادات النظيرة وارتفاع فاتورة واردات الطاقة، حيث تراجع بأكثر من 2% مقارنة بالذروة التي سجلها في أوائل مايو.
الصين: الطلب الخارجي يعوّض ضعف البيئة المحلية مع اتفاق ترامب وشي على "الاستقرار الاستراتيجي"
من المرجح أن يكون النمو الاقتصادي في الصين قد تباطأ مؤخرًا بعد أداء قوي في الربع الأول بلغ 5% على أساس سنوي. فقد جاءت بيانات الاقتصاد الكلي لشهر أبريل أضعف بكثير من التوقعات، إذ سجلت مبيعات التجزئة نموًا بنسبة 0.2% فقط، بينما تباطأ نمو الإنتاج الصناعي إلى 4.1%، وهما الأدنى منذ عدة سنوات. كما خيّبت استثمارات الأصول الثابتة التوقعات مع تحول النمو إلى المنطقة السلبية في أبريل. واستمرت أسعار المنازل الجديدة في التراجع منخفضة بنسبة 3.5% على أساس سنوي في أبريل، مسجلة الشهر الرابع والثلاثين على التوالي من الانخفاض، مما أثر سلبًا على المعنويات وانعكس على الطلب المحلي. ومع ذلك، ظلت الصادرات نقطة مضيئة، إذ ارتفعت بنسبة 14% على أساس سنوي في أبريل بعد أداء قوي خلال الربع الأول، ما يعكس التباين بين قوة الطلب الخارجي وضعف الطلب المحلي. وفي الوقت نفسه، حافظ بنك الشعب الصيني على نهجه الحذر في السياسة النقدية عبر إبقاء أسعار الإقراض المرجعية دون تغيير خلال العام الماضي. كما ساهمت القمة الأخيرة بين ترامب وشي في تهدئة التوترات التجارية قصيرة الأجل، بعد اتفاق الجانبين على نهج "الاستقرار الاستراتيجي" لتنظيم العلاقة الثنائية، رغم استمرار الاحتكاكات الهيكلية. وتبقى اضطرابات أسواق الطاقة من المخاطر الرئيسية، خاصة بعد ارتفاع تضخم أسعار المنتجين إلى أعلى مستوياته خلال 45 شهرًا عند 2.8% على أساس سنوي في أبريل ، رغم استمرار المخزونات النفطية المرتفعة في توفير قدر من الحماية. وبشكل عام، من غير المتوقع أن يختلف نمو الناتج المحلي الاجمالي في عام 2026 كثيرًا عن المستهدف الرسمي البالغ بين 4.5% و5%، على أمل أن يواصل الطلب الخارجي تعويض الضعف المستمر في الطلب المحلي.